السيد مجتبى الموسوي اللاري

23

رسالة الأخلاق

الناس في « جزيرة العرب » فكيف كان يمكن لرسول الإسلام ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أن يحدث ثورة شاملة في روحيات الناس هناك ، وأن يغيّر ذواتهم وماهياتهم ؟ ! . صحيح أنّ الإنسان في المراحل الأولى من وجوده إنّما هو بقواه وميوله الماديّة ، فقواه البدنية هي التي تظهر إحداها بعد الأخرى وتبدأ بفعالياتها من حين أن يفتح عينه على هذه الحياة ، ولكنّه بإزاء القوى الماديّة له إمكانات واستعدادات وسيعة للتكامل والتعالي المعنوي ، وقد تمكّنت لذلك في وجوده مقدّرات وأشواق أقوى من الضرورات المادية ، والقوى في صرفها تتلوّن بألوان مختلفة وتعمل في مجاري مختلفة كذلك . وإن كانت هذه المرحلة لا تتجلّى إلّا بعد سائر المراحل الطبيعية في الإنسان ، ولكنّها من طبيعته على أيّ حال ، فإنّه بإمكان الأهداف السامية أن تسخّر سائر القوى وتستخدمها لأهدافها . ولكنّ ذلك بحاجة إلى مساعدات مؤثّرة من الخارج وقيادة وعناية ، ولولا ذلك لابتلت أيضا بالانحراف . والعون المساعد من الخارج ليس أمرا افتراضيا غير طبيعي ، بل هو جزء من الفطرة الطبيعية البشرية ، تماما كتعليم الطفل ليتكلم ، في حين أنّه يستصحب معه الاستعداد للكلام منذ يوم ولادته ، وهو له قدرة طبيعية . والقرآن الكريم يرسم للإنسان - بوصفه أكرم مخلوق - مسار خطاه إلى التكامل بقوله سبحانه : ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) « 1 » . و ( وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) « 2 » . على الإنسان في سعة الحياة للعروج إلى الحياة الخالدة اللانهائية ، أن يستلهم من برامج الأنبياء الإلهيّين ، وهي مدرسة تربوية أصيلة وثقافة جامعة

--> ( 1 ) سورة الانشقاق : الآية 6 . ( 2 ) سورة النجم : الآية 41 .